محمد حسين الذهبي

479

التفسير والمفسرون

علومه ، وقامت كل طائفة بفن من فنونه ، فاعتنى قوم بضبط لغاته ، وتحرير كلماته ، ومعرفة مخارج حروفه ، وعددها ، وعدد كلماته ، وآياته ، وسوره ، وأحزابه ، وأنصافه ، وأرباعه ، وعدد سجداته ، والتعليم عند كل عشر آيات . . . إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة ، والآيات المتماثلة ، من غير تعرض لمعانيه ، ولا تدبر لما أودع فيه ، فسموا القراء واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبنى من الأسماء والأفعال ، والحروف العاملة ، وغيرها ، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها ، وضروب الأفعال . واللازم ، والمتعدى ، ورسوم خط الكلمات ، وجميع ما يتعلق به ، حتى إن بعضهم أعرب مشكله ، وبعضهم أعربه كلمة كلمة . واعتنى المفسرون بألفاظه ، فوجدوا منه لفظا يدل على معنى واحد ، ولفظا يدل على معنيين ، ولفظا يدل على أكثر ، فأجروا الأول على حكمه ، وأوضحوا معنى الخفي منه ، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين والمعاني ؛ وأعمل كل منهم فكره ، وقال بما اقتضاه نظره . واهتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة القطعية ، والشواهد الأصلية والنظرية ، مثل قوله تعالى « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا « 1 » » إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة ، فاستنبطوا منها أدلة على وحدانية اللّه ، ووجوده ، وبقائه ، وقدمه ، وقدرته ، وعلمه ، وتنزيهه عما لا يليق به ، وسموا هذا العلم بأصول الدين . وتأملت طائفة منهم معاني خطابه ، فرأت منها ما يقتضى العموم ، ومنها ما يقتضى الخصوص ، إلى غير ذلك ، فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز ، وتكلموا في التخصيص ، والإضمار ، والنص ، والظاهر ، والمجمل ، والمحكم ، والمتشابه ، والأمر ، والنهى ، والنسخ . . . إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة ، واستصحاب الحال ، والاستقراء ، وسموا هذا الفن أصول الفقه .

--> ( 1 ) في الآية ( 22 ) من سورة الأنبياء